ذكريات في زمن الحرب
هدوء العاصفة
السماء داكنة مكفهرة ...الظلام ينتشر سريعا على هذه السواتر الترابية القذرة ، المعفرة برائحة البارود والشعواط والاحتراق ..
والليل تقدم نحونا من جهة الشرق ،وبدا الظلام يبتلع كل شيء
ولجت إلى داخل ملجأي المحفور في باطن الأرض وأشعلت قنينة الكيروسين كي لا يغمرني الظلام ، فتوهج ضوء خافت ،فضح محتويات الملجأ المؤثث بالرصاص وشواجير بندقيتي التي أسميتها (صبيحة)!، كونها تلازمني ليل نهار وتعايشني في السراء والضراء.. وكانت القصعة مركونة قرب فتحة الدخول إلى الملجأ ، وظهر يطغي الذي ما زال مرزوما بأحكام ، واحمد الله لأني وجدت صفيحة من الجينكو داخل الموضع.... فمن يدري ،ربما كان هذا الملجأ الراقي لآمر الحظيرة أو ربما رئيس عرفاء السرية ، بسبب وجود تلك الصفيحة المثبتة على أكياس الرمل بعناية... فتحت يطغي فوق الصفيحة ، وقبل أن استلقي عليه ، لاحظت شيء يدب بسرعة ليتوارى عن ناظري ، فأدركت على الفور من إنها عقربه !... سحبت طرف البطانية بقوة ،فسقطت العقربة على الارض فسحقتها بكعب بسطالي الثقيل فتحولت إلى أشلاء ممزقة .
فتحت جعبة الأرزاق وهي عبارة عن حقيبة من قماش مخملي ، وجدت بداخلها أربعة صمونات ( صمون الجيش ) نصف يابسات مع أربعة ( رؤوس حربية ) من البصل الأبيض مع حبة طماطة ( مفعوصة )! كانت زمزميتي مملوءة بماء شبه ساخن .. ولا أمل بالقصعة وقت العشاء لهذه الليلة ، وربما حتى نهار الغد ، كوننا استلما هذا القاطع اليوم ، وقبل ساعتين بالتحديد ... وكنت دائما أفضل موضعا انفراديا على الاختلاط بهؤلاء الجنود الثرثارين في فوج المغاوير، الذين هم أسوأ شريحة في الجيش العراقي ، وكنت قد قسمت حال وصولنا أفراد المفرزة الطبية الذين هم بإمرتي على سرايا الفوج الأربعة ...
كان العدو الإيراني يعلم باستلامنا نحن المغاوير هذا القاطع .. وكان يتوجس من وجودنا وحذرا جدا منا ،كوننا لقناه دروسا بليغة في معارك سابقه ، ولكن بين آونة وأخرى يطلق علينا بعض قذائف مد فع 106 ملم ، لجس النبض ومعرفة رد فعلنا وعددنا ،كون العدو لا يبعد عنا غير مسافة 500 الى 600 متر ، ويفصلنا بعض السواتر الترابية وارض مفتوحة ، ( حقل ألغام ) متنوع الأنواع المضاد للأشخاص والدروع والعجلات.
عند التاسعة كان الظلام حالكا كثيفا ، إذ أن العدو يختار الليلي الداكنة للهجوم دائما. وفي وسط ذلك الصمت والسكون سمعنا فجأة صوتا مدويا ملأ الأرجاء وبنبرة متناغمة واحدة ..كان هناك آلاف من جنود العدو ، محتشدين وهم يصيحون ( الله أكبر..خميني رهبر )!
فعم فيض من الخوف بين صفوف جنودنا ونحن لا يتجاوز عددنا 500 مقاتل مقابل هؤلاء الآلاف من جنود الأعداء! .. في هذه الأثناء جاءني مراسل الآمر وهو ينادي بأسمى من خارج موضعي ، بأن السيد الآمر يطلبني فورا..!، لما حضرت أمام السيد الآمر ، كان بصحبته في الملجأ المساعد مع آمر سرية المقر ، وكان مرتبكا خائفا من الهجوم المرتقب ..ثم بدأ يملي علي بعض الأوامر في الحيطة والحذر واليقظة ، وأنا اردد نعم سيدي ..حاضر سيدي ..صار سيدي ، لكنه طلب مني حبوب الإسهال بصفتي مسؤول المفرزة الطبية في الفوج ، كونه منقولا حديثا في وحدتنا ولم يشهد معارك كبيرة في السابق.. ذهبت إلى الموضع وفتشت بين عدة الإسعافات على حبوب الإسهال .. ويا للمصيبة .. لم أجدها ، كوني نسيتها في الموقع الخلفي!!
ماذا عساي أن أفعل ياترى!؟ ولكني وجدت بعض من حبوب الفاليوم رقم 2 وهي شبيهة بحبوب الإسهال فوضعتها في كيس صغير وذهبت بها إلى السيد الآمر ،وكان مازال يزعق ويزبد كالطبل الفارغ.. ، فتناول أربع حبات منها دفعة واحدة وابتلعها مع قدح ماء ، وعدت مرتبكا إلى موضعي .. ،فأنا لست خائف من الهجوم المرتقب بقدر ما كنت خائفا من افتضاح أمر حبوب الفاليوم التي قدمتها بدل من حبوب الإسهال !..وبعد دقائق قليلة سمعنا دوي انفجارات عنيفة في ارض العدو ..حيث دكت قواتنا الصاروخية تلك الحشود المتجمعة بصواريخ ارض ارض وحولتهم إلى شتات وهباء منثورا في أرضهم قبل قبل الشروع بالهجوم .
في صباح اليوم التالي وفي الساعة العاشرة صباحا ،كانت جهام الشؤم قد انقشعت ، ولاحت الشمس من وراء نتف الغيوم الهاربة المندحرة والسماء زرقاء صافية ، سمعت صوت مراسل الآمر مناديا يدعوني للمثول أمام سيادته ، بالسرعة الممكنة ،فراودني قلق وخشية ،فقلت في نفسي (جاءك الموت يا تارك الصلاة) ، ولكني عندما دخلت ملجأ السيد آمر الفوج وجدته باشا ضاحكا مرتاحا وهو يتكلم مع آمر الفوج الثاني بجهاز الهاتف ، ولما انتهى ، أومأ بإشارة ، وناولني ظرف مختوم ، وقال ( اذهب مع عجلة الأرزاق إلى وحدة الميدان وآحضرلنا ظماد الميدان ووزع لكل مقاتل قطعة )..ثم أردف بعد صمت قليل ..و قال ( أشكرك على الحبوب.. لقد فادتني كثيرا وأنقذتني من الإسهال )... خرجت من عند الآمر.. وأنا مدرك ومتيقن جدا من انه كان فعلا بحاجة إلى حبوب الفاليوم وليس حبوب الإسهال.
جميل فرنسيس
شرق البصرة 1987